الصالحي الشامي

61

سبل الهدى والرشاد

قلوب أقوام فيه حتى تكون ألين من اللبن ، وإن الله تعالى ليشد قلوب أقوام فيه حتى تكون أشد من الحجارة ، مثلك يا أبا بكر في الملائكة مثل ميكائيل ينزل بالرحمة ، ومثلك في الأنبياء مثل إبراهيم قال : ( فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ) [ إبراهيم 36 ] ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى ابن مريم إذ قال : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) [ المائدة 118 ] ، ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله تعالى ، ومثلك في الأنبياء مثل نوح إذ قال : ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) [ نوح 36 ] ومثلك في الأنبياء مثل موسى ، إذ قال : ( ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) [ يونس 88 ] لو اتفقتما ما خالفتكما ، أنتم عالة فلا يفلتن منكم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق " ، فقال عبد الله بن مسعود : يا رسول الله إلا سهيل ابن بيضاء فإني سمعته يذكر الاسلام ، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله : فما رأيتني في يوم أخاف أن تقع علي الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إلا سهيل ابن بيضاء " فلما كان من الغد غدا عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهما يبكيان ، فقال : يا رسول الله ما يبكيكما ؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت لبكائكما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن كاد ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم ، ولو نزل العذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب ، لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة " - لشجرة قريبة منه - وأنزل الله تعالى : ( ما كان لنبي أن تكون ) بالتاء والياء - ( له أسرى حتى يثخن في الأرض ) يبالغ في قتل الكفار ( تريدون ) أيها المؤمنون ( عرض الدنيا ) حطامها بأخذ الفداء ( والله يريد ) لكم ( الآخرة ) أي ثوابها بقتلهم ( والله عزيز حكيم ) [ الأنفال 67 ] ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : ( فإما منا بعد وإما فداء ) [ محمد 4 ] ( لولا كتاب من الله سبق ) بإحلال الغنائم والأسارى لكم ( لمسكم فيما أخذتم ) من الفداء ( عذاب عظيم ، فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ) [ الأنفال 68 ، 69 ] . واستعمل صلى الله عليه وسلم على الاسرى شقران غلامه ، فأحذوه من كل أسير ما لو كان حرا ما أصابه في المقسم . وروى ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه ، والنسائي ، وابن سعد ، وابن جرير ، وابن حبان ، والبيهقي ، عن علي رضي الله عنه قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، إن الله تعالى قد كره ما صنع قومك في أخذهم فداء الاسرى ، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين : إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم وإما أن يأخذوا منهم الفداء ، على أن يقتل منهم عدتهم ، فدعا